عبد الملك الجويني
351
الشامل في أصول الدين
ثم نقول : إذا أثبتم الجوهر زائدا على الأقانيم ، فما المانع من كون الجوهر إلها ؟ فإنا إن لم نبعد وصف كل أقنوم بأنه إله ، وإن كان كل أقنوم لا يتصف بالوجود ، فالجوهر أولى بالإلهية ، فإنه موجود موصوف بالأقانيم . والإله المخترع هو الحي ، العالم ، القادر . والجوهر هو الموصوف بكونه حيا عالما موجودا . فإن العلم إذا اختص بذات ، لوجب كونها عالمة به ، وكذلك القول في الحياة . ويستحيل علم لا عالم به ، كما يستحيل عالما لا علم له . والعلم الذي هو أقنوم عندهم ، ليس بعالم في نفسه ، والحياة ليست بحية . والحي بالحياة ، والعالم بالعلم ، الجوهر ، والموجود ، الحي العالم ، أولى بالإلهية من صفة لا توصف بالوجود ، وهذا واضح لا خفاء به . فصل [ الجواب على ما ذهبت إليه الملكية ] قد قدمنا من مذهب الملكية : أن الجوهر غير الأقانيم . ونحن الآن نوضح عليهم طلبة . فنقول : الجوهر المغاير للأقانيم مماثل لها ، أو مخالف لها ؟ ولهم في ذلك طرق : فمنهم من يمتنع عن إطلاق المخالفة والموافقة ، وإذا استبعد ذلك منهم تمثلوا بمذهب مثبتي الصفات ، وقالوا : من أثبت الصفات القديمة ، لم يصفها بالاختلاف ، ولا بالتماثل . فإن لم يبعد ذلك من الإسلاميين ، لم يبعد منا . وسبيل الجواب عن ذلك أن يقال : إنما امتنع بعض الإسلاميين من إطلاق الاختلاف من حيث قدروا لفظ الاختلاف منبئا عن التغاير ، وقدروا التغاير منبئا عن جواز العدم في أحد المتغايرين ، والنصارى - نعني الملكية منهم - لم يمتنعوا عن إطلاق المغايرة ، فلا وجه في الامتناع عن إطلاق الاختلاف أو التماثل . ثم نقول : من امتنع من الإسلاميين عن إطلاق ذلك ، إنما يمتنع عن إطلاق اللفظ مع اعتقاد حقيقة الاختلاف . ومن أصل الإسلاميين الذين يسلكون هذا المسلك ، ألا يطلقوا في ذات اللّه وصفاته ، إلا ما يرد فيه إذن شرعي . والاختلاف بين الصفات ثابت عقلا قطعا ، وإنما الامتناع عن إطلاقه لأمر يرجع إلى الشرع . وقد قال القاضي في طائفة من المحققين : لا منع في إطلاق الاختلاف على الصفات ، مع تبعيد اللفظ عن الإيهام والإبهام . فسقطت معارضتهم من هذه الوجوه . ثم نقول : لو سلم لكم ما ذكرتموه في لفظ الاختلاف ، فلا يستتب ذلك لكم في معناه . ونحن نقول : الجوهر هل يسد مسد الأقانيم ، وهل تثبت له أحكامها أم لا ؟ فلا يجدون إلى الجواب عنه سبيلا . فإذا قلبوا ذلك علينا في الصفات ، أطلقنا القول بأن العلم لا يسد مسد القدرة ، ولا يثبت له خاص وصفها ، وإذا كان الإلزام عليه هذا السبيل لم تستقم عليه معارضتهم .